نهاية إرهابي يدعى ميشيل كيلو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نهاية إرهابي يدعى ميشيل كيلو

مُساهمة  master في الأحد أغسطس 12, 2007 6:53 am

ما هي الا لحظات بعد النطق بالحكم حتى كُبّل الجميع بسلسلة طويلة من الحديد واقتيدوا عبر الباب الخلفي لقصر العدل، كانت سيارة السجن تعج بمختلف انواع المجرمين.


ضجيج مكبرات الصوت كان آخذا بالتزايد مع تحرك السيارة من شارع "النصر" يسارا في اتجاه شارع "الثورة". فالبلاد على موعد مع استفتاء على ولاية جديدة للرئيس بعد بضعة ايام وتجار "سوق الحميدية" اغرقوا السوق بلافتات التأييد والاغاني الوطنية.

بعض المساجين اتيحت لهم الفرصة لمشاهدة نصب صلاح الدين الايوبي شاهرا سيفه في اتجاه المجهول، لا نعلم ان كان ميشال كيلو ومحمود عيسى اللذان حكم عليهما بالسجن لمدة ثلاثة اعوام ممن حظوا بتلك الفرصة، فنافذة السيارة المصفحة لا تسمح الا لمن اتاحت لهم سلسلة الحديد – الجنزير بتعبيرات السجن – الوقوف امامها.

لكن صوتهما كان مسموعا في كل انحاء البلاد:

- ايام الثمانينات كانت افضل، على الاقل كان المسجون "يحس انو بشكل شوية خطر عالنظام. العمى حاسس حالي شي حشاش او بلحق ولاد...". يزفر ميشال بانفعاله المعهود مع نهاية حديثه.

لا يعيره محمود الواقف بجانبه اي اهتمام، تتراءى له صور مجموعة كبيرة من القادة اللبنانيين دفعة واحدة، تختلط عنده الامور الى درجة لم يعد قادرا معها على التحديد ما هو اعلان "دمشق بيروت"؟! فيرى وليد جنبلاط بلحية حسن نصرالله، واميل لحود معتصما امام السراي الحكومي، والبطريرك يطالب برئاسة الجمهورية.

لم تكد السيارة تبتعد حتى تلاشت اصوات المكبرات، وبدأ صوت صافرات سيارات الشرطة التي تتقدم سيارة السجن يعلو رويدا رويدا.

الطريق الذي يحتاج اجتيازه عادة اكثر من نصف ساعة، قطعه الموكب بأقل من عشر دقائق.

كانت عائلة ميشال ومحاموه واصدقاؤه وبعض مناصري ميشال ومحمود ممن غصت بهم قاعة المحكمة ما زالوا في بهو قصر العدل يتداولون حيثيات الحكم.

- سنستأنف الحكم بعد عشرة ايام. يقول "خليل معتوق" محامي المتهمين.

- وما الجدوى من ذلك؟! يسأل احد الصحافيين قبل ان يهرع خارجا خوفا من ان تراه اعين الحساد في تجمع لا يحسد عليه.

ما هي الا دقائق حتى يتفرق الجميع كل الى اشغاله.

يدرك خليل الذي خبر هذا النوع من القضايا ان الحكم نهائي، كما يدركه ميشال ومحمود وعائلاتهم واصدقاؤهم وكل من بلغ سن الرشد في سوريا، وهو بالمناسبة غير السن القانوني المتعارف عليه، ففي قضايا امن الدولة يبدأ عند سن الثانية عشرة، وربما اكبر اذا كان ثمة سجين سياسي في العائلة.

ما ان خرج الموكب من شوارع المدينة حتى صمتت ابواق سيارات الشرطة. تكمل سيارة السجن طريقها في اتجاه "سجن عدرا المركزي" الذي شهد قبل بضعة اسابيع تمردا اودى بحياة عدد من المساجين.

هدير محرك السيارة المهترئة يطغى على هدوء الطريق الصحراوي الذي افترشته الوكالات الحصرية للسيارات في الاعوام القليلة الماضية.

يتردد في اذن ميشال صوت احد اصدقائه الذي توفي قبل اعتقاله بوقت قصير:

- اذا اعتقلت هذه المرة فلن تكون كسابقاتها، ولن تخرج منها الا الى القبر.

يدرك صاحب الباع الطويل في التمرد والمعارضة صحة كلام صديقه اليوم. لكن السؤال الذي لطالما حيّره طوال فترة اعتقاله التي سبقت المحاكمة: ما هو سبب سوء التقدير الذي اوصله هذه المرة الى السجن وهو الذي خبر كل طرق التعامل مع هذا النظام، الى درجة اتهم فيها بالتآمر مع بعض اركانه؟!

- فكرك بيكون "فلان" صدق انو ما النا علاقة بالمخابرات بعد هالحكم؟! يسأل ميشال.

يجيبه محمود بتأفف:

- لا تخاف بيلاقي مبرر تاني، بكرا بقول ليش انور البني خمسة وهدول الجوز ثلاث سنين!!

ازعجته الفكرة، ليس بسبب منطقيتها، ولكنه بطريقة غير مقصودة ربطها بتنبؤات صديقه المتوفي. فبحسب حسابات الاخير لم يتبق له من العمر اكثر من عامين.

استبعد الفكرة من رأسه بسرعة وعاد للتفكير عما سيفعله حين يخرج من السجن. تذكر فجأة ان الانتخابات النيابية انجزت، وموعد الاستفتاء بعد اسبوعين.

مرة اخرى حاول ان يغير الموضوع، لكنه وجد نفسه يتذكر كل ذلك الركام من كتب الفكر السياسي التي قام بنقلها من الالمانية الى العربية، وحواراته مع الجبهة وسجنه الاول، وكل تلك المقالات في صحيفة "النهار"، ولجان احياء المجتمع المدني ووو...

تذكر فجأة بأن عملية المراجعة التي وجد نفسه ينساق اليها دليل على صحة كلام صديقه المتوفي، وأنه اذا ما بقي على هذا الحال فإنه سيطلب من زوجته أن تأتيه بالكتاب المقدس الى السجن.

نظر الى محمود فوجده غارقاً هو الآخر في التفكير.

جال بنظره على بعض المساجين من حوله، أدرك أن أحداً منهم لا يهتم له أو لأي من الافكار التي تشغله.

تساءل عما سيحدث بعد صدور الحكم، وعن صيغة البيانات المستنكرة التي ستصدر عن المنظمات الدولية والعربية والمحلية المعنية!!

وهل ستكتب بالصيغة نفسها التي بها الكثير من البيانات التي صدرت في الاعوام الماضية، والتي كان هو من صاغها، أو على الاقل وضع مسودتها الاولى.

أدرك ان السيارة وصلت حرم السجن، ما هي الا دقائق حتى هم الجميع بالنزول، نظر الى الاعلى فوجد صورة كبيرة للسيد الرئيس تغطي قسماً كبيراً من المبنى (...).

المهم ان ميشال كيلو دخل رواق السجن مكبلاً مع باقي السجناء، ما هي الا دقائق قليلة حتى تم فرز الجميع. اقتيد الى زنزانته، غيّر ملابسه مباشرة، وغط في نوم عميق، لكن أحداً لا يعلم إن راودته أي أحلام هذه المرة!!



(دمشق)

(كاتب سوري)

"النهار"

master
Admin

المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 12/08/2007
العمر : 35

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://syrianmap.adultfreeforum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى