ماركس ونابليون والمحكمة الدولية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ماركس ونابليون والمحكمة الدولية

مُساهمة  master في الأحد أغسطس 12, 2007 5:22 am



كارل ماركس له مقولة شهيرة ذهبت مثلاً: "التاريخ ماكر. فهو قادر على جعل بطل الأمس التراجيدي، نكتة اليوم الكوميدية".

كان ماركس يحاول شرح السبب الذي جعل نابليون الأول يظهر عملاقاً في أواخر القرن الثامن عشر، ونابليون الثالث قزماً في منتصف القرن التاسع عشر. وهو لم يجد تفسيراً لذلك سوى تغير الظروف الموضوعية التي أحاطت بالرجلين.

هل يمكن تطبيق مقولة ماركس هذه على المحكمة الدولية حول لبنان التي أقرها مجلس الأمن بالأمس؟

أجل. وإلى حد كبير أيضاً.

في البداية، غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان قرار تشكيل المحكمة الدولية زلزالاً حقيقياً أثار القشعريرة في أبدان الجميع في سوريا ولبنان وما وراءهما في الشرق الأوسط. لماذا؟ لأنه (القرار) سقط على المنطقة وهو مدجج بكل أنواع الأسلحة: وفاق فرنسي أمريكي على حساب الوجود السوري في لبنان؛ مقاطعة أمريكية شاملة لدمشق؛ قرارات متلاحقة من مجلس الأمن لدعم السياستين الأمريكية والفرنسية في بلاد الأرز. وأخيراً، قوات أمريكية "إسرائيلية" قبل عدوان يوليو/تموز تزرع أسناناً حادة في فم هذه التطورات.

بيد أن كل هذا كان في البداية. أما في النهاية فالصورة تبدو مقلوبة رأساً على عقب: المشروع الفرنسي الأمريكي المشترك علق في عنق زجاجة الشلل الحكومي النيابي الذي خلقه صراع المعارضة والموالاة، انتهاء ب "حروب التظاهرات الجماهيرية السلمية"، وعودة منطق العنف والتفجيرات إلى لبنان؛ والأهم، انتقال الولايات المتحدة من حالة الهجوم العام في الشرق الأوسط إلى حالة الدفاع العام.

الظروف المحيطة بالمحكمة الدولية تغيرت بشكل كامل. وبرغم أن تشكيل هذه المحكمة ووضع مداولاتها قيد التنفيذ سيكون حدثاً مهماً، فإنه سيبقى تطوراً تكتيكياً محدوداً في مقابل المصالح الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة.

واشنطن مهتمة الآن بإعادة نشر قواتها في العراق، لا بنشر سلطة القانون في الشرق الأوسط. وهي من أجل الهدف الأول مستعدة للتضحية تماماً بالهدف الثاني. وهذا يتضمن، من ضمن ما يتضمن، وصل ما انقطع من حوارات مع دمشق، واستئناف التعاون معها في مجالات الإرهاب، وحفزها على دعم التوجهات الأمريكية الجديدة في العراق.

إدارة بوش لا تزال تتمنع عن الإقدام على هذه الخطوة علناً. لكنها فعلت ذلك مع عدوها اللدود إيران قبل أيام، ولن يكون الوقت بعيداً قبل أن تقوم بالأمر نفسه مع سوريا. لا بل الأرجح أن يحدث ذلك فور اللقاء المرتقب للوزيرين المعلم ورايس.

وحينها، ستكون الدائرة أغلقت تقريباً حول المحكمة الدولية، فلا يبقى منها سوى قوقعة خارجية فارغة.

لقد دعت "فاينانشيال تايمز" قبل أيام إلى الإسراع في تشكيل المحكمة، لأن ذلك برأيها "سيطلق رسالة قوية إلى كل السلطات الديكتاتورية في المنطقة تحذرها من المضي قدماً في سياساتها التعسفية".

حسناً. ربما كان هذا صحيحاً. لكن هذه السلطات تعلم أن شعارات سلطة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية باتت من أحاديث الأمس، بعد أن انقلب الحلم الديمقراطي في العراق إلى كابوس طائفي وحروب أهلية متصلة. ما هو مطروح اليوم أمريكياً هو العودة إلى سياسة "الانغماس الإيجابي" مع كل الأنظمة العربية، وفي مقدمها النظام السوري.

وفي مثل هذه الظروف، قد لا تكون حظوظ المحكمة الدولية أفضل كثيراً من حظوظ نابليون الثالث في لعبة التاريخ التراجيدية الكوميدية الماكرة.

master
Admin

المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 12/08/2007
العمر : 35

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://syrianmap.adultfreeforum.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى